قصة قلم زينب بوربوينت في اللغة العربية للصف الثاني عشر - الفصل الثالث (6)
ف فريق المنصة · نُشر منذ 3 سنوات
عن المادة
محتوى الملف
قراءة، الفصل الثاني
اللغة العربية / الصف الثاني عشر/ الفصل الثالث / لعبة جرب حظك / درس: رواية قلم زينب / الفصل 2
السلام عليكم .. أنا (إدريس علي.)
رفعتُ رأسي، أتأمل الرجل الذي يقف أمامي شابكًا كلتا يديه على صدره، ومبتسمًا عن أسنان بيضاء كاملة على فكيه. كان شابًا في أوائل الثلاثينات من العمر، نحيلًا بشكل لافت حتى ليبدو بلا لحم، شعره منكوش إلى أعلى، لكنَّه منسق وعليه زيت لمَّاع، يرتدي زي جنود الصاعقة المرقَّع، الذي كان موضة سائدة في تلك الأيام، أحدثها الهياج الدائر في حرب الجنوب، وما تبعه من عسكرة للأجواء والأمزجة والشوارع وشاشة التليفزيون، وطوابير الصباح في المدارس.
حول معصمه الأيسر ساعة من ماركة (جوفيال) العتيقة يبدو ميناؤها باهتًا، ويضع على جسده عطر(ماكسي) النّفاذ الذي كان منتشرًا أيضًا، ويستخدمه الرجال الأنيقون وغير الأنيقين.
رددت على تحيته: وعليكم السلام.
دعوته للجلوس حتى أستمع إلى شكواه، ثم أرقده على طاولة الفحص كما أفعل بشكل آلي عند رؤيتي لكل مريض، فجلس واضعًا ساقًا على ساق، وكان حذاؤه من ماركة (باتا)، قديمًا جدًا، ومتناسل الخيوط، لكنَّه يلمع بـِ (ورنيش) طلُي به حديثًا، وربما قبل دقائق من قدومه إلى عيادتي.
سألته عن علَّته كما هو مفترض في شخص يطرق عيادة طبيب، لكنَّه رد وهو يتحسس جسده بيديه ويستعيذ باللّه منكل شر، بأنه ليس مريضًا بأي شيء، ولا يذكر حتى أنه أصيب بصداع أو (إنفلونزا) عادية من قبل، وإنما هو زائر، جاء لتحية الطبيب الجديد في الحي، وإكرامه والتّعرّف إليه أكثر، خاصة أنه قرأ على لافتتي المضيئة بـ (النيون)، والمكتوبة بخط أحمر أنيق، عند خطاط متمرس، أنني تخرجت في مصر، وهو أيضًا تخرج هناك، حيث درس في معهد (اللاسلكي) الشهير بالقاهرة، في شارع مجلس الشعب، ذلك المعهد الذي أجزم أن ثلث الشعب السوداني في ذلك الوقت قد تخرَّج فيه. بدأ بسؤالي عن فترة دراستي في مصر، وأين كنتُ أسكن، وكيف كنتُ أقضي أمسياتي، وعطلات نهاية الأسبوع، وإن كنت قد زرت الفيوم، والقناطر الخيرية، ومقاهي حي الحسين، وركبت عربة الحنطور في منطقة الأهرامات،
ثم عرج على أشخاص ربما أنني عرفتهم أو صادفتهم في أثناء وجودي هناك: شوقي دلدوم عازف الكمان الأعمى الذي يُلقّب بـ(المايسترو).. أبو الرمل صاحب أجمل صوت غنائي بين الطلاب، بالرغم من تهتهته في الحديث العادي ،و(سبيل) الذي أنشأ عصابة لكسر المنازل في الأحياء الراقية ،ودوَّخ الشرطة المصرية.. وعصام الملقَّب بالبيضة؛ لأنه لا يأكل إلا البيض المسلوق، وشكراوي الذي يبيع الأقلام الجافة وأمشاط الشعر، وفرش الأسنان في ميدان التحرير، وكانت بالطبع أسماء غريبة ومريبة لم أسمع بها قط من قبل. قال إنه رجل أعمال بسيط يتاجر في بضائع شتى يجلبها من العاصمة وبلاد الخليج العربي و(تايوان)، ولا يقيم في حي النور، لكنَّه يأتي بشكل شبه يومي ،يزور أقاربه العديدين الذين يقطنون في الحي ويروِّج لتجارته وسط تجار السوق الشعبي.
كان غريبًا حين أمسك بسماعتي الطبية التي رافقتني طوال سنوات دراستي، وخاضت معي الدروس العملية، والامتحانات ،ومدة التدريب في المستشفى، وما زالت تعمل بإخلاص، تفحَّصها بتأنٍ وقلَّل من شأنها باعتبارها من صناعة الصين، حين مشى إلى طاولة الكشف الموضوعة في أحد أركان الغرفة، نقر على خشبها القديم بقوة، رفعها، وأنزلها، ورفعها وأنزلها، ورجَّها، وهو يردد: طاولة بلا حيل .. سأجعل هارون الشقي يصنع لك واحدة أجود منها، لم يعلِّق على الستائر؛ لأن الغرفة كانت في الواقع، بلا ستائر، ولا ألقى بالًا على خزانة الزجاج التي استحدثتها في الغرفة ،ووضعت بها بعض نماذج الأدوية المجانية التي قد أمنحها لمرضى محتاجين
ولم أكن واثقًا إن كان قد التفت أو لم يلتفت إلى تلك الصورة الباهتة المعلَّقة أعلى رأسي، وتمثل عز الدين موسى في شبابه المبكر، يتسلَّم شهادة التمريض من رجل لا بد أنه كان مسؤولًا كبيرًا في ذلك الزمان، وحين تأهب للخروج من غرفتي بعد أن قضى قرابة نصف ساعة في حديث متفرع، ولمح عز الدين يطل برأسه من الباب عدة مرات، وعلى وجهه غضب ما، ويرسم بأصابعه عدد المرضى المنتظرين بالخارج، أخرج من جيبه قلمًا سائلًا أسود اللون، بلا ماركة محددة، من ذلك النوع الذي تعثر عليه في الأسواق الشعبية، وأمام المدارس، ومقالب القمامة، وضعه أمامي على الطاولة، وهو يردد:
ـ هدية بسيطة ستتبعها هدايا أخرى في المستقبل، أرجوك اقبلها من أجل زينب.. أرجوك.. من أجل زينب.
ثم انفلت خارجًا من دون أن يترك لي فرصة الرفض، أو يخبرني عن زينب التي يجب أن أقبل هديته الرخيصة من أجلها.
كان عز الدين لا يعرف شيئًا عن (إدريس علي)، ولا شاهده من قبل في الحي أو العيادة في أثناء وجود طبيب آخر، بالرغم من سكناه القديمة في الحي، واحتكاره لتنظيف الجروح، وفتح الدمامل فيه، على مدى خمسة وثلاثين عامًا، وأخبرني بأنه وقف أمامه بثقة، وأخبره بأنه صديق قديم للطبيب، درسا معًا في مصر ،ومن ثَمَّ سمح له بالدخول مباشرة من دون انتظار أو أجرة للكشف، كما تقضي اللياقة، وأنه يعتذر إن كان ذلك الغريب قد أزعجني، ونفيت ذلك بشدة، ثم واصلنا العمل.
بعد ذلك نسيتُ أمر إدريس تمامًا، انشغلتُ بمرضى عديدين دخلوا بعده، وكان فيهم رجل مسنّ اسمه سيد أحمد، عمل بحَّارا في سفن تجارية لعدة دول منذ شبابه المبكر، واكتشف بعد ستين عامًا من السفر، وعشق البحر، ولعب الورق، والتسكع في الموانئ المختلفة، أنه بلا زوجة ولا عيال يرثون ما جمعه من مال ،ويملؤون بيته الكبير الذي بناه مؤخرًا في الحي، وجاء يستشيرني إن كان بمقدوره أن يتزوج، وينجب وهو في الثمانين. كان ضغط دمه عاديًا، ومعدَّل السكر في (البلازما) الذي أجراه في مختبر طبي وسط المدينة عاديًا جدًا، ويده قوية حين هزت يدي في التحية ،ومشيته صلبة بلا ترنح حين دخل إلى الغرفة، وحين خرج منها ،لكننّي بالرغم من ذلك لم أطمئنه، فقد خفت من مسؤولية غرسه في زواج قد يكون بلا جدوى.
بعد ذلك عاينتُ امرأة اسمها نجفة، وكانت بعيدة تمامًا عن النجف وأضوائه الموحية، في نحو الخمسين أو أكثر قليلًا، ترتدي ثوبًا بسيطاً من قماش (البوليستر)، بلا كيّ، وذهبًا محدودًا على الساعدين، وتضع على أذنيها أقراطاً رخيصة من الزجاج الملون ،وكانت تشكو من صداع نصفي مزمن أرهقها منذ عشرين عامًا ،بعد زواجها مباشرة من رجل قُدِّم إليها باعتباره شيخًا فقيهًا، وعالمًا من العلماء الكبار، واكتشفت بعد أيام فقط من الزواج، أنه دجال يتزوج النساء ويطلقهن، ويسافر من بلد إلى بلد حاملًا بخوره وشعوذته.
تحدثت كثيرًا مع نجفة، وعرفت أن أكثر من سبعة أطباء تعاقبوا على العيادة على مدى سنوات، قد تحدثوا معها الحديث نفسه، وأخرجت من حقيبتها القماشية الواسعة ملفًا ضخمًا، مرتَّبًا بعناية، عثرتُ بداخله على فحوصات وأشعّة وتحاليل مخبرية ،بعضها أجري بالمدينة، وبعضها بالعاصمة، وما كان يوجد مرض يستوجب العلاج. وكان أطرف ما عثرت عليه داخل ذلك الملف، صورة للزوج المخادع، مسبب الصداع المزمن، يجلس وسط بخور مشتعل ونساء حاسرات الرؤوس، وقد طمُست عيناه بلون أسود، بينما كشفت ابتسامته التي لم تطمس، عن أسنان صفر متآكلة عند الحواف.
حين خرجت نجفة، راضية بعض الشيء، وتحس ببوادر زوال الصداع، كانت الساعة تقترب من التاسعة، وكان لا بد من الذهاب إلى المستشفى للمرور السريع الذي أقوم به يوميًا كل مساء، خاصة أنني أعمل في قسم النساء والتوليد، ذلك القسم الحافل بالمفاجآت، ولا يمكن لأحد أن يتوقع ماذا سيحدث بداخله في كل لحظة، ولم تكن ثمة هواتف متوافرة في ذلك الوقت، لاستخدامها في الاستفسار من بعيد، وعلى الطبيب المساعد الذي يغطي الحالات الطارئة، أن يسعى باستمرار ليظل قريبًا من المأساة، حتى إذا ما وقعت تلقاها بسرعة.
من هذا المنطلق، كان وجودي داخل المستشفى في سنوات عملي الأولى، أكثر كثافة من وجودي داخل البيت، وحتى تلك الأيام الخالية من المناوبات، لم تكن تأتي بنوم هادئ ومريح، بل كانت تضطرب كثيرًا بالعديد من الأهل والأقارب والجيران الذين لا يذهبون مباشرة إلى المستشفى، حين تداهمهم أمراض في الليل، ولكنهم يأتون أولًا إلى بيتي، ثم أقودهم بعد ذلك إلى المستشفى، وحدث أن عالجت حالات كثيرة ،وأجريت عمليات متعددة، والطبيب المناوب نائم في غرفته لم يوقظه أحد.
المعاينة
ملفات المادة
1 ملف-
pptx
عربي_الفصل_الثاني_9.pptx
PPTX رابط لا يعمل؟
نقاش المادة
اسأل عن هذا الملف أو شارك طريقة استخدامه؛ يظهر تعليقك هنا وتحت الملف في الخلاصة.
التعليقات (0)
لا تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!
سجّل الدخول لتكتب تعليقًا.