منصة تعلم

عمليات البحث الأخيرة

قصة قلم زينب بوربوينت في اللغة العربية للصف الثاني عشر - الفصل الثالث (4) معاينة
ملفات تعليمية

قصة قلم زينب بوربوينت في اللغة العربية للصف الثاني عشر - الفصل الثالث (4)

ف فريق المنصة · نُشر منذ 3 سنوات

الملفات 1
التحميلات 154
المشاهدات 5
آخر تحديث 3 نوفمبر 2026

عن المادة

قصة قلم زينب الفصل الثالث اللغة العربية الصف الثاني عشر - بوربوينت   قصة قلم زينب الفصل الثالث اللغة العربية الصف الثاني عشر - بوربوينت  

محتوى الملف

اللغة العربية / الصف الثاني عشر/ الفصل الثالث / لعبة جرب حظك / درس: رواية قلم زينب / الفصل 3

قراءة، الفصل الثالث

اليوم التالي في العيادة كان غريبًا ومربكًا بحق، عثرت بالكاد على ركن قريب أضع فيه عربتي، وكانت ثمة ثلاث حافلات من ماركة (روزا) اليابانية أمام باب العيادة مباشرة، ويتدفق منها العشرات بين رجال ونساء وأطفال، داخلين إلى العيادة، أو متجمهرين على بابها، فتوجّستُ بشدة، وأكاد أوقن تمامًا أنهم معزّون جاؤوا بهذه الكثافة، ولا بد أن أحد أفراد أسرة عز الدين قد توفي فجأة، خاصة أنني لم أشاهده صباحًا في المستشفى، يقف أمام كشك التيجاني المغروس في وسط الحوش ليتناول فطوره المعتاد المكون من شطيرتين من الفول.

تخبّطتُ وسط الجموع حتى دخلت، وعثرت على ممرضي العجوز بعيدًا تمامًا عن أية مأساة رسمتُها في خيالي، كان مبتسمًا بشدة، وقد امتلأت صفحة كاملة من دفتره القديم ذي الغلاف الأزرق بأسماء المراجعين، وما زال يعمل على التسجيل بنشاط غريب، وكان ممّا لفت نظري في أولئك المرضى الفجائيين، أنهم جميعًا بملامح واحدة، كأنهم أهل أو أقارب، يرطنون بصخب، ويرتدي رجالهم الصديري والسروال القصير، وترتدي نساؤهم ثيابًا ملونة رخيصة، وأساور من القصدير تحيط بالسواعد والأعناق، بينما أطفالهم شبه عرايا في ملابس شفافة. كانت رائحة عطر (الشاكوين) الذي يصنع في البيوت محليًا من الأعشاب ،تضج في المكان.

سألتُ عن ذلك الزحام غير المتوقع، فأجابني الممرض وهو ينهض، ويتقدمني إلى غرفتي، بأنه رزق هبط علينا من السماء فجأة، ولا يعرف السبب. كان مخطئًا في اعتقاده؛ لأنني جلست على طاولتي أكثر من عشر دقائق أنتظر أن يبدأ دخول المرضى، وطال انتظاري إلى عشرين دقيقة، ولم يدخل أحد. سمعت بعد ذلك صخبًا هائلًا بالخارج، وسُبابًا وصراخًا وألفاظاً غريبة، وانفتح الباب فجأة، لأرى عز الدين موسى يدخل متورم الوجه، يدفعه نفر من أولئك المرضى الفجائيين، وقد أمسك أحدهم بيديه، ولواهما خلف ظهره. وقفت مندهشًا أستطلع الأمر، ليتقدم مني أحد أولئك المرضى، كان شيخًا في نحو السبعين، يرتدي عمامة من قماش الكرب الشفاف، وصندلًا من جلد الماعز، تطاير منه الوبر، كان كما يبدو متحدثًا رسميًا لتلك الفوضى الغريبة ولا بد أنه تدرَّب على مخاطبة الأطباء من قبل، لأنه خاطبني قائلًا بلا مقدمات:

ـ هل تبيعون الإنسانية يا طبيب؟

ـ لا أفهم ما تعني.

قلت، ولم أكن أفهم بالفعل، ولا كان ممرضي عز الدين في لحظة غضبه وتورم وجهه قادرًا على إفهامي أي شيء، وكان قد تحرر من قبضة الرجل الذي لوى ساعديه، ووقف منتصبًا في مواجهتي، لكنّ صدره كان يعلو ويهبط بسرعة، ويتصبب من جسده العرق، وقد كان ذلك الممرض القديم الذي ينتمي لقبيلة المحس في أقصى شمال البلاد، واستوطنت أسرته الساحل منذ زمن بعيد قليل الغضب فيما مضى، وصبورًا، فقد عرفت صبره شخصيًا في أثناء مساعدتي في الجراحة، ولم أره بهذه الصورة أبدًا من قبل.ـ طالَبَنا ممرضُك بأجرة حتى ندخل عليك. فهل هذه إنسانية؟ ..

هل تتاجرون في آلام الناس يا طبيب؟

كانت فصاحة لم أتوقعها من شيخ في ذلك العمر، وتلك المتاجرة بآلام الآخرين بالذات، جملة شديدة الإيحاء، لم أسمعها حتى من ألسنة مرضى أصغر سنًا، وأقوى لسانًا..

نظرتُ إلى الرجل بتمعن، شممت في هيئته دماء المحتال (إدريس علي)، ووجدت في صوته رنة كأني سمعتها من قبل، رنة الصوت الذي أهداني قلم زينب الرخيص، وقدَّم لي داخل المستشفى، فتاة تفكر في زميلها ولا تنام، ولم أستطع مساعدتها .

لم تكن ثمة جدوى لأوضح له، أن العيادات المسائية ليست سبيلًا مفتوحًا، يرتوي منه العطشان متى ما أراد ويمضي بلا ثمن، لأوضح أن مولّدّ الهندي (برد شاندرا)، تم شراؤه بلا إنسانية، ويعمل في إنارة المكان بلا إنسانية، وأنَّ إيجار المبنى نفسه يؤخذ مني آخر الشهر بلا إنسانية، والطريق الذي تشقه العربة حتى تصل، ويذبحها يوميًا بلا إنسانية، ثم ذلك الوقت الذي يقتطع من راحة الطبيب، يقتطع حتمًا بلا إنسانية، لم يكن ليفهمني، وقد جاء ممتلئًا بضغينة كبيرة، ومن خلفه شعب ربما يحمل المدي والخناجر، وينتظر نتيجة تلك المواجهة بيني وبينه. كان بإمكاني أن استدعي الشرطة- إن عثرت عليها في ذلك المكان- لكنني لم أفعل، وبدأت أحاور الرجل:

ـ هل أنتم من جماعة (إدريس علي)؟

ـ نعم .. لقد أهداك قلمًا غاليًا، وترفض علاج أهله.

ـ وهل تقيمون هنا في حي النور؟

ـ لا .. قدمنا من المرغنية.

كان حي المرغنية الذي ذكره، يقع في الطرف الجنوبي من المدينة، وهو حيّ بعيد وشبه عشوائي، وممتلئ بالضجيج والفوضى، ولا بد أن إدريس المسكين قد تعب في الدوران بين أزقته وحفره العميقة، حتى يلمّ ذلك الشعب؛ لينازلني به، ولم أفعل له شيئًا سوى أنني استقبلته في عيادتي، وقبلت بقلم زينب هدية من دون أن أعرف من هي زينب، وأسمع سيرة القلم تَرِدُ الآن على لسان ذلك الشيخ الفصيح بوصفه هدية غالية.

كان القلم موضوعًا أمامي على الطاولة، لم أمسّه قط منذ تسلمته، ولا كان مغريًا بتجربته في الكتابة حتى التقطته في تلك اللحظة بعنف، لوَّحت به أمام وجه الرجل، ثم كسرته من الوسط، وألقيته أرضًا، وفوجئت بالرجل يلتقطه مرة أخرى، ويخرج من جيبه شريطاً لاصقًا شفافًا، يلصق به القلم، ويعيده إلى الطاولة مرة أخرى، كأنه كان يعرف ما سيحدث، واستعد له، وشعرتُ بالدهشة. قلت لعز الدين في صوت قاطع، إننا لن نتاجر في آلام أحد اليوم، وعليه أن يدخلهم واحدًا واحدًا، ونراهم بلا أجرة، إنه يوم الإنسانية الكبير.

كان الممرض قد صعق، أراد الاحتجاج، لكنني أسكتُّه بنهرة قاسية، وسمعت الرجل الفصيح يرطن بعد أن فتح الباب كاملًا، وواجه الآخرين الذين يتكدسون في الصالة، و الشارع أمام باب العيادة.

ـ واحدًا واحدًا من فضلكم وسنراكم كلكم.

قلت مرة أخرى، وعدت أجلس على طاولتي هادئًا، أضع سماعتي الطبية حول رقبتي، ولا ألتفت إلى انحناء عز الدين ،ومشيته المترنحة وهو يغادر غرفتي، ولا إلى صوته المتحشرج الذي بدأ ينادي به على المرضى حتى يدخلوا.

لا بد أنها الثانية عشرة ليلًا حين فرغنا من معاينة تلك المظاهرة المرضية الحاشدة التي أرسلها (إدريس علي)، سبعة وخمسون مريضًا يشكِّلون كتابًا من كتب الطب، في فهرسته وتنوع أمراضه، عثرتُ بينهم على السل الرئوي، واحتقان المرارة، والعمى الليلي، وتخبط صمامات القلب، وتورم الساقين، ومضاعفات مرض الضغط والسكر، والربو الشُّعَبي، وتليف الرئة، وأمراض أخرى أقل شأنًا مثل (الملاريا، والتيفوئيد) وحمى القصب، ولين العظام عند الأطفال، وكانت ثمة فتاة في الثالثة عشرة من عمرها، اسمها نورية، تملك قلبًا في الجانب الأيمن من الصدر، ولم تشخص أبدًا من قبل، وجاءت تشكو من قمل الرأس الذي يسري في الليل، ويمنعها النوم، لكن هيئتها الهزيلة أغرتني بفحصها كاملًا، ومن ثم عثرت على ذلك العيب الخَلقي النادر.

كنتُ مغتبطاً من ذلك التنوع الذي لا يتوافر بسهولة، بالرغم من تعبي الشديد، ومحاولاتي المجهدة فك رموز الرطانة القبلية التي كانت تصدر من بعضهم، ممن لا يجيدون العربية أو يتصنعون عدم إجادتها حتى يظلوا مربوطين بهوياتهم، خاصة النساء المسنات، وقد استفدت كثيرًا من فصاحة الشيخ الذي واجهني في البداية، عيَّنته مترجمًا فوريًا في تلك الساعات، ولم يكن مريضًا بأي شيء، لكنَّه لم ينس حين انتهينا من ذلك الجيش، أن يسألني عن أدوية إعادة الشباب إلى شيخ مهدم. كان اسمه حامد رطل ،وهو اسم شائع عند قبيلته، ولا يوجد تقريبًا عند قبيلة أخرى،

وقد عمل طوال حياته حمَّالًا بالميناء، حتى تعب ظهره من حمل الأكياس والحقائب، وازداد فقرًا من تفاهة العائد الذي كان يجنيه، والآن يعتمد على أبنائه الذين يعملون في وظيفته السابقة نفسها ،ويجلس نهارًا على مقهى شعبي في حي المرغنية، يراقب الطريق بضجيجه، ويرد التحايا، ويمازح العابرين، ويذهب في المساء إلى معالج روحاني اسمه الشيخ الحلمان، يسكن في ذلك الحي الفوضوي أيضًا، يساعده في إيقاد بخوره، وترتيب دخول مرضاه النفسيين، ويطمح في الأيام القادمة أن يفتتح عيادته الروحانية الخاصة بعد أن تعلم كثيرًا من الحيل عند شيخه.

المعاينة

ملفات المادة

1 ملف

نقاش المادة

اسأل عن هذا الملف أو شارك طريقة استخدامه؛ يظهر تعليقك هنا وتحت الملف في الخلاصة.

التعليقات (0)

لا تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!

سجّل الدخول لتكتب تعليقًا.